ضد المنهج، فلسفة العلم عند باول فيرابند

 


في مقدور الرجل العادي، بل من واجبه، أن يتولّى الإشراف على العلم"
يمكن القول إن باول فييرآبند (Paul Feyerabend) -وتنطق "فَييِر-آبِند"- فيلسوف العلم الشهير نمساوي الأصل هو نيتشه العِلم، فقد أمسك -عبر تعدديته المنهجية- بفأس قوي وحطّم به كل ما يمكن الإشارة له على أنه مقدس في المشروع العلمي. قد تكون ناقدا جيّدا، قد تكون محبا للنقد، لكنك بالتأكيد ستُصدم في مواجهة عدائية التحرك الفلسفي الذي أقبل فييرآبند عليه، لن تكون بذلك الجموح وتلك الوقاحة أبدا، وقاحة الرفض كما يرى البعض.

يعلمنا نيتشه أن الفيلسوف لا منهج محدد له سوى الوقوف ضد توجهات المجتمع، لأن تلك التوجهات تصنع في نهاية الحكاية كيانا مقدسا يمتلك سلطة للحكم على الآخرين ويحاول من خلالها تمرير ما يرغب في صورة مقدسة مثله، يتخذ فييرآبند نفس المنهجية ليقول إن العلم الذي يدّعي رجاله أنه الفاتح، بطل الحرب ضد الخرافة، المُحرر من قيد التكلّس المعرفي، وأمين سرّ الحرّية الفكرية، كان كذلك فقط في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لأنه دفع الناس في الشوارع والبيوت إلى التشكيك فيما ظنّوا أنه قناعات موروثة، لكن العلم الآن يختلف، فيقول(1):

"إن العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه، بل هو نظام عقلي يمكن أن ينتقده أي شخص معني بأمر العلم، وإن الصعوبة المزعومة للعلم ترجع إلى الحملة الأيديولوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم"

العلم كدين
يرى فييرآبند أنه لا حاجة لنا في اتباع الحقائق فقط، فحياة البشر توجهها العديد من الأفكار بجانب ما نسميه "الحقائق"، منها الحرية، واستقلال العقل
 
هنا يشير فييرآبند إلى أن الحقائق العلمية أصبحت تُدرس للطلبة كما كانت حقائق الدين تدرس لهم قبل قرن واحد فقط، فهي ممنوعة عن النقد، وبعيدة عن رغبة الطالب/المواطن العادي في تأملها والتشكيك فيها، في حين يقوم العلماء بتغطيتها عبر الدفاع عن مدى تعقد العملية العلمية، بينما هم في الحقيقة يحصنّون ما يعتقدون أنه حقائق علمية، في تلك النقطة يستخدم العلم ذلك المصطلح الغاية في الضبابية والمدعو "حقائق علمية" للترويج لذاته بطريقة "العلم قد اكتشف الحقائق"، وهذا -في رأي فييرآبند- هو نقطة انطلاق أية أيديولوجيا.

يرى فييرآبند الحقيقة العلمية من وجهة نظر أخرى، فهو لا يجادل في كونها حقائق  أو لا، لكنه يجادل حول سلطتها، فيقول إنه لا حاجة لنا في اتباع الحقائق فقط، فحياة البشر توجهها العديد من الأفكار بجانب ما نسميه "الحقائق"، منها الحرية، واستقلال العقل، لذلك -كما يقول(2)– فإنه إذا "كانت الحقائق تتعارض مع الحرّية، فنحن إذن أمام اختيار، من الممكن أن نهجر الحرية في سبيل الحقائق، ومن الممكن كذلك أن نهجر الحقائق في سبيل الحرّية"

لتوضيح الفكرة السابقة يمكن لنا أن نتصوّر مريض سكّري يعرف أن الحقيقة العلمية تقول إن هذه الكمّيات الكبيرة من الحلويات قد تتسبب في وفاته في مرحلة ما، رغم ذلك هو أمام اختيار يسمح له بأن يتوقّف انصياعا لأمر المرض، أو أن يأكل ما يريد وهو حر، هنا قد يتطرق الأمر لصورة أعمق ذات علاقة بالسلطة، لنفترض مثلا أن للدولة قدرة على معرفة كل مرضى السكري وتمتلك قاعدة بيانات ضخمة بهم، ثم تمكنت عبر تقنيات متقدمة من ربط قاعدة البيانات تلك بكل محلات الحلويات.

الآن يطلب مريض سكري من أحد المحلات قطعتي كيك وسينابون مثلا، هل من الممكن هنا أن تضع الدولة قانونا يحميه فيقول البائع له :"سيدي، للأسف تقول قاعدة البيانات إنك مريض سكري، غير مسموح لك أن تشتري كل تلك الكمّية"، للوهلة الأولى قد تظن أن ذلك شيء ساذج، لكن تأمله قليلا لو مددنا بالخط على استقامته وسألنا عن التدخين؟ سلوكيات الطلبة ذوي أعراق مختلفة في المدارس؟ ألا يقدّم العلم هنا درجة سُلطة أكبر وأكثر عمقا من السلطة السياسية؟ ثم دعنا نضيف سؤالا آخر هنا، هل ينجح العلم أصلا؟ بمعنى أنه يتسلّط برأيه بما يدّعي أنها نتائجه اليقينية، لكن هل يستحق العلم تلك المكانة العالية فقط لأنه يحصل على نتائج؟ ماذا لو حصلت طريقة أخرى على نتائج؟ هل تعد أفضل بدرجة ما؟ لنرَ.

ضد المنهج

يبدأ فييرآبند من جاليليو(3)، حيث للوهلة الأولى نتصوّر أن جاليليو قد استخدم الرصد ضد الدوجمائية الكنسية وقتها، لكن الأمر -كما يرى فييرآبند- أكثر عمقا من ذلك، فعمليات رصد أخرى وقفت ضد جاليليو، كسقوط قطع الصخور في خط مستقيم أسفل النقطة التي أُسقطت منها مثلا، فإذا كانت الأرض تدور ألم يكن -حسب درجة وعي المجتمع وقتها- من المفترض أن تتحرك الصخرة قليلا للخلف؟ كذلك لم يمتلك الفلكيون وقتها تلسكوبات من القوة بحيث تستطيع قياس عملية التزيّح (Parallax)، وهو اختلاف دقيق في موضع النجم بتأثير دوران الأرض بين جانبي الشمس.

أضف لذلك مشكلات نظرية أخرى واجهت جاليليو، فهناك نماذج بطليموس وأرسطو التي كانت موجودة آنذاك والتي اعتنقها المجتمع العلمي ورفض زعم جاليليو، يرى فييرآبند هنا أنه لا توجد منهجية علمية واحدة -وضعية منطقية، بوبرية، أو كونية- يمكن لها تفسير ما حدث، لقد انتصر العلم فقط لأن جاليليو صدّق ذاته وتصور أنه على حق، وكان شجاعا ومبدعا، العلم عند فييرآبند هنا إذن هو تحرّك ذاتي إبداعي تتعدد منهجياته وليس له قواعد محددة، دعنا نتوسع قليلا.

جاليليو هنا هو الروح الرافضة لكل منهجية، هو الأناركي(4) الفوضوي الذي قرر ألا يلتزم بأية طريقة علمية كانت موجودة وقتها، وفقط اتّبع حدسه وقدراته على الإبداع، ثم نجح، وذلك بالنسبة لفييرآبند هو العلم في أفضل أحواله، فهو يدعوك لتحدي المنهجية، الملاحظة، التجربة، ويدعو فييرآبند جميع العلماء لتأمل جاليليو والتعلّم منه، فيقول في كتابه "ضد المنهج" إن "العلم هو مشروع أناركي في الأساس، الأناركية النظرية إنسانية بدرجة أكبر وأكثر قدرة على تشجيع التقدم من البدائل المنظمة والمقننة".

يمكن في تلك النقطة أن نضع جاليليو في نقطة الثورة العلمية بفلسفة توماس كون، وأن نضع العلماء العاديين في منطقة العلم القياسي، يرى فييرآبند أن جاليليو هنا يصنع نموذجا أصيلا لتحصيل المعرفة بسبب زجّه لذاته في العلم، بينما هؤلاء الذين يلتزمون بالمنهجية العلمية يقعون فريسة لما يسمونه "المنهج العلمي"، بينما هو فقط عملية تقليد لآخرين ثاروا على السائد، عملية تقييد لهم، جاليليو بالنسبة لفييرآبند هو ألفيس بريسلي، ملك الروك آند رول، والبقية مجرد تقليد له.

لا توجد نظرية علمية واحدة لا تدين ولو بالقليل لإجراءات غير علمية، فيحدث كثيرا أن يستقي عالم ما بذور نظريته من الأسطورة، الدين، الحكمة الشعبية

في تلك النقطة ننطلق مع فييرآبند لنتأمل رؤيته حول المنهج العلمي، كأس العلم المقدسة، فهو يرى أن المدافعين عن أفضلية العلم على المجالات المعرفية الأخرى يستندون إلى أساسين(5): منهج العلم، ونتائج العلم. الأول هو ما يرتّب العملية العلمية ويضع لها قواعد وحدود، والثانية هي ما يضع العلم في منطقة اليقين المعرفي بشكل منفصل عن أية معارف أخرى أو فاعليات غير علمية. لكن هذين الأساسين -كما يرى فييرآبند- يتحطمان في حالات كثيرة بتاريخ العلم -من ضمنها جاليليو كما عرضنا من قليل- تُنتهك فيها المنهجية العلمية وتكون النتيجة -رغم ذلك- هي نظرية علمية ناجحة تساعد في تطور العلم، كما يضيف فييرآبند هنا أنه لا توجد نظرية علمية واحدة لا تدين ولو بالقليل لإجراءات غير علمية، فيحدث كثيرا أن يستقي عالم ما بذور نظريته من الأسطورة، الدين، الحكمة الشعبية… إلخ.

لهذا يعد فييرآبند مختلفا عن كل نقد سابق للعلم، حيث خرجت كل فلسفة علمية فيما سبق ببديل لفلسفة قديمة تنتقدها، بوبر(6) انتقد الوضعية المنطقية وقدم القابلية للتكذيب، كون(7) انتقد ما سبق وقدم لنموذج الإرشادي/البارادايم، لاكاتوش(8) قدم برامج البحث، ولاودن(9)  قدم تقاليد البحث، لكن فييرآبند لم يقدم إلا النقد فقط من دون أية نظرية عن المنهجية العلمية في خلفية عقله، وهذا هو ما أعطى نقده ذلك الحس السخيف اللاذع الذي طال الجميع.

لنبدأ ببوبر مثلا، لقد وجه فييرآبند نقده للفلسفة البوبرية عبر طريقين، نقد المعرفة الموضوعية ونقد القابلية للتكذيب، فيقول إن بوبر بشكل ما يُناقض ذاته حينما يقول إن المعرفة برغم أنها من إنتاج الإنسان فإنها تظل مستقلة عنه، وهو أمر يبدو مستحيلا، فإذا كانت الاعتقادات سابقة للتجريب فإنها تؤثر في كل شيء في حياتنا، في خبرتنا عن العالم نفسه.

لذلك السبب ينطلق تعريف فييرآبند للنظرية العلمية على أنها(10) "اعتقاد مسبق يحدد رؤيتنا للعالم، أو بعبارة أخرى طريقة النظر للعالم"، وبالتالي فإن النظرية تختلف من ملاحظ إلى آخر، ويمتد ذلك التعريف لينتقد في الأساس ارتباط النظرية العلمية بالخبرة، ويتساءل فييرآبند: هل يمكن أن نعتبر أن الخبرة الحسية هي المصدر الرئيس للمعرفة العلمية؟ ثم يجيب بـ: "لا"، وأحد الأسباب التي يعرضها في دراسته "العلم دون خبرة"(11) (Science without experience) ذلك الفصل التعسّفي بين النظرية والملاحظة، وآخر يتعلق بعدم حاجتنا للخبرة الحسّية أثناء فهم النظريات، كذلك فإن بعض النظريات يمكن اختبارها من خلال عمليات حوسبة فقط دون الحاجة لتجريب.

العلم بالنسبة لفييرآبند مجرد تقليد من مجموعة تقاليد أخرى، وجهات نظر أخرى تريد أن تفهم هذا العالم وتتفاعل معه، لا هو أعلى ولا أقل منهم، ولا سلطة لديه للتحكم فيهم والحكم عليهم (بيكساباي).
 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقسيم الإرث حسب منهج الدكتور محمد شحرور

عودة للشحرور: عن الصيداوي و خديعة "بيضة الديك"